نبض الساعةنبضات وآراءنبضاتهمهيدلاينز

غموض يكتنف غـ.ـزة

مقال لـ أيمن خالد

مشاهد الإعدامات التي نفذتها عناصر من حركة حماس في غزة لم تكن عملية تسريب خارج الإطار المعروف، لأنها حدثت أمام جمهور كان يراقب ويسجل المشاهد ويعمل على نشرها على مواقع التواصل على دراية كاملة من الحركة، وفي تكرار لمشهد حدث منذ بداية الحرب، عندما كانت عناصر أمنية تابعة لحركة حماس تعاقب متهمين بالسرقة بإطلاق النار على أقدامهم ما كان يؤدي إلى بترها أحياناً أمام الكاميرا، ناهيك عن استخدام قضبان حديدية في تكسير الأطراف، وكل ذلك موثق بحضور الصورة والشهود والضحية والملثم المنفّذ للعملية أيضاً.

غير أن مشهد الاعدامات الميدانية الأخيرة التي تمت بشكل جماعي لها وقعها الخاص، كذلك الاشتباك مع عائلات معروفة والتي تؤثر فيها البنية العشائرية ومسألة الدم، خصوصاً وأن حكومة حماس تعاني ومنذ 2007 وما بعدها من الدماء العالقة التي سُفكت ولم يتم إجراء مصالحة حولها، أو تبرئة الذمم ودفع الديّات وغير ذلك من الأصول المتعارف عليها في الوسط الفلسطيني. خصوصاً بعدما انتقل الاشتباك من دائرة الصراع حول السلطة سنة 2007 إلى دائرة الاشتباك الذي حدث منذ أيام مع العشائر المكون الرئيس في بنية المجتمع الغزّي، ما يعني أن المسألة تتجاوز المشهد الفردي في الاتهامات نحو حالة مجتمعية، كان يتطلب الأمر فيها عقلانية منفتحة إلى أبعد الحدود، ولجان حوار خاصة مع العائلات، لأنه في كل أعراف الدنيا عند توجيه الاتهامات بالخيانة لأي طرف تبقى في إطارها الفردي، وعندما تتحول المسألة إلى إطار جماعي فتلك هي شرارة الحرب الأهلية التي لا تدخل في بوابة الخيانة بقدر ما هي صراعات عميقة تجذرت حتى تحولت إلى قصة جماعية.

غير أن المسألة قد يتم قراءتها من زاوية ثانية، فهل هناك أكثر من حماس في غزة، وهل مشهد الصقور هو واضح في رسائل الداخل ومختلف عن رسائل حماس في الخارج، وهل هي بالمقابل رسائل من حماس في الداخل موجهة إلى اتفاق الهدنة الذي أبرم ويتضمن مسألة نزع السلاح، وبالتالي هي محاولة من حماس الداخل تهدف إلى إطالة أمد المرحلة الأولى من الاتفاق من خلال محاولة إثبات وجود تناقضات داخلية تتطلب مزيداً من الوقت لحسمها، ما يعني أن حماس تريد الاحتفاظ بسلاحها لوقت أطول مما كان متفقاً عليه، وبالتالي إذا ما تمت إطالة المرحلة الأولى، فقد نجد أنفسنا أمام جولة جديدة من الحرب قد يتعثر فيها الاتفاق الحالي وتعود غزة إلى دوامة الموت.

هناك سؤال آخر يعيد طرح الأيديولوجيا في المشهد، فإذا كانت حماس الداخل سوف تنطلق من الأيديولوجيا، فمن الطبيعي جداً أن تقوم بالخطوات التي تحول دون تسليمها السلاح، وهذا مبرر كافٍ من طرف الأيديولوجيا التي تعتبر إقامة الدولة الفلسطينية مخالف للشريعة الإسلامية. بالتالي تبقى إشكالية السلاح مسألة في غاية الخطورة، لأن تسليم سلاح حماس ضمن الاتفاق مرتبط بمسألة الاعمار، فإذا كانت حماس تريد إثبات دورها في المعادلة القادمة، فهذا يعيدنا إلى ما طرحته وسائل إعلام إسرائيلية في يونيو حزيران 2024 عن خطة إسرائيلية لعزل أنصار حماس في غزة وتشكيل إدارات محلية بدعم الجيش، أو ما طرحه وزير الدفاع الإسرائيلي في وقت سابق من العام الجاري حول إقامة منطقة إنسانية جنوب غزة، ما يعني أن مشهد تقسيم غزة على طاولة السياسة في إسرائيل، وهذا يخدم في النهاية حكومة نتنياهو بحث ستبقى غزة تحت وطأة حالة الحرب حتى في حال استمرار الهدنة، مما يؤدي إلى تأجيل مزيد من الملفات وأبرزها خطة إعادة الاعمار التي تحتاج معادلة متكاملة من الأمن والسياسة.

المعادلة الأخيرة هي حماس والشارع في غزة، فقد كان المشهد يتطلب من حماس تعزيز علاقتها بالجمهور من خلال إثبات نوايا حسنة، وعدم الانجرار نحو عمليات الإعدام وفكرة التخوين والتي تعتبر من أخطر المسائل في المجتمع الفلسطيني، خصوصاً بعد هول الكارثة التي سحقت الشارع، لذلك كانت الحكمة تتطلب معادلة عادت الآن موضع إشكالية من جديد، فالعائلات التي استهدفتها حماس تتوعد الآن حماس، ما يعني أن غزة أمام غموض من كل جانب، فهل تسلم حماس سلاحها وفق معادلة شاملة ومصالحة وطنية ومجتمعية شاملة تطفئ نزعة الانتقام وتغلق ملف الدماء منذ سنة 2007.

المصدر: العربية

تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى